صديق الحسيني القنوجي البخاري
268
فتح البيان في مقاصد القرآن
والمراد بقوله : وَالْكافِرُونَ كفار مكة من العرب وغيرهم ما ذا مجموع الكلمتين اسم استفهام ف ذا ملغاة أي أيّ شيء أَرادَ اللَّهُ بِهذا العدد المستغرب استغراب المثل مَثَلًا تسير به الركبان سيرها بالأمثال ، قال الليث المثل الحديث ومنه قوله : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [ الرعد : 35 ] أي حديثها والخبر عنها . كَذلِكَ أي مثل ذلك الإضلال المتقدم ذكره وهو قوله : وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ من عباده وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ منهم والمعنى مثل ذلك الإضلال للكافرين والهداية للمؤمنين يضل اللّه من يشاء الإضلال ويهدي من يشاء هدايته ، وهو الذي علم منه اختيار الاهتداء ، وفيه دليل على خلق الأفعال ، وقيل المعنى كذلك يضل اللّه عن الجنة من يشاء ويهدي إليها من يشاء . وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ أي ما يعلم عدد خلقه ومقدار جموعه من الملائكة وغيرهم إِلَّا هُوَ وحده لا يقدر على علم ذلك أحد ، قال عطاء يعني من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار لا يعلم عدتهم إلا اللّه وحده ، والمعنى أن خزنة النار وإن كانوا تسعة عشر فلهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا اللّه سبحانه . عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال « فصعدت أنا وجبريل إلى السماء الدنيا فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف ، وتلا هذه الآية » أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو الشيخ . وعن أبي ذر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أطّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أصبع إلا عليه ملك ساجد » « 1 » ، أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة قال الترمذي حسن غريب ويروى عن أبي ذر موقوفا . ثم رجع سبحانه إلى ذكر سقر فقال : وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ أي وما سقر وما ذكر من عدد خزنتها إلا تذكرة وموعظة للعالم يتذكرون بها ويعلمون كمال قدرته تعالى ، وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار ، وقيل ما هي الدلائل والحجج والقرآن إلا تذكرة للبشر ، وقال الزجاج : نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة وهو بعيد ، وقيل الضمير في وَما هِيَ يرجع إلى الجنود . ثم ردع سبحانه المكذبين وزجرهم فقال : كَلَّا وَالْقَمَرِ قال الفراء كَلَّا صلة للقسم والتقدير أي والقمر ، وقيل المعنى حقا والقمر . قال الكرخي كَلَّا استفتاح بمعنى ألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام المفيدة
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الزهد باب 9 ، وابن ماجة في الزهد باب 19 ، وأحمد في المسند 5 / 173 .